السيد مرتضى العسكري
51
معالم المدرستين
البلاط الأموي لم يتركوا أفكارهم المسيحية وأعرافهم خلفهم ، بل حملوها معهم إلى بلاط الخلافة الأموية . أضف إلى هذا ان عاصمة معاوية الشام كانت قبل ذلك عاصمة لنصارى الروم البيزنطيين ، وكانت ذات حضارة عريقة . هذا ما كان من أمر المحيط الذي انتقل إليه معاوية . أما معاوية نفسه ، فكان قد نشأ في وسط أغلظ الجاهليات القبلية التي حاربت الاسلام وأعرافه حتى أخضعها الاسلام بقوة السيف . نشأ فيها حتى صلب عوده ، وانتقل على كبر سنه من مكة بعد فتحها إلى المدينة ، ومن الجاهلية إلى الاسلام 1 ، ولم يمكث في المجتمع الاسلامي الناشئ إلا وقتا قصيرا لا يكفي ليتطبع فيه بالطابع الاسلامي الجديد عليه ويتمرن به ليستطيع أن يؤثر على ذلك المجتمع الذي امتدت حضارته إلى آماد بعيدة في الدهر ، بل هو الذي تأثر بها . وكان معاوية يبعد من ذلك المجتمع من كان يعترض سبيله من صحابة تطبعوا بالطابع الاسلامي الأصيل نظراء أبي ذر وأبي الدرداء وقراء أهل الكوفة 2 . كل تلكم كانت عوامل أدت إلى صبغ مدرسة الخلفاء منذ عصر معاوية بطابع ثقافة أهل الكتاب ، ولم تدرس تلك العوامل حتى اليوم دراسة موضوعية ليعرف مدى اثرها على تلكم المدرسة . وكان معاوية بالإضافة إلى ما ذكرنا متطبعا بالطابع الجاهلي ملتزما بأعرافه من التعصب القبلي ، وإحياء آثاره 3 ، وكانت له مع ذلك أهداف أخرى من قبيل
--> 1 ) راجع باب مع معاوية من كتاب أحاديث عائشة . 2 ) راجع أحاديث عائشة فصل مع معاوية ص 237 ، وشرح النهج للمعتزلي ط . مصر الأولى 1 / 159 - 160 . 3 ) في الأغاني ط . دار الكتب 2 / 241 - 251 . عندما كان مروان واليا لمعاوية على المدينة ، حد عبد الرحمن بن أرطاة على شرب الخمر . وكان في الجاهلية حليف حرب جد معاوية ، فكتب إليه معاوية أما بعد فإنك جلدت حليف حرب امام الناس ثمانين جلدة ، ولو كان حليف أبيك مروان لما فضحته . اما والله اما ان تفسد حدك وتعلن خطأك وترد اعتباره ، أو ان أبطل حدك وآمره بجلدك ثمانين قصاصا . . . ففعل مروان ما أمره معاوية ، الحديث . ومن ذلك أيضا الحاقه زيادا بنسب أبيه وفقا للأعراف الجاهلية ، وخلافا للأحكام الاسلامية ، والتي تنص على أن الولد للفراش وللعاهر الحجر . راجع أحاديث أم المؤمنين عائشة وفصل استلحاق زياد من عبد الله بن سبأ ج 1 . وروى ابن عبد ربه في العقد الفريد ج 3 / 413 ان معاوية دعا الأحنف بن قيس وسمرة بن جندب فقال : " اني رأيت هذه الحمراء ( لقب يطلق على غير العرب ) قد كثرت ، وأراها قد طعنت على السلف وكأني انظر إلى وثبة منهم على العرب والسلطان ، فقد رأيت أن أقتل شطرا وادع شطرا لإقامة السوق وعمارة الطريق . . . " . فخالفه الحنف ورد عليه وقال سمرة " اجعلها إلي أيها الأمير فانا أتولى ذلك منهم وأبلغ إلى ما تريد منه " وأخيرا عدل معاوية عن رأيه في قتلهم .